المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هذا ما قاله القرضاوي في التماثيل


ابو عمرو
26-03-01, 02:31 PM
الحمدلله والصلاة والسلام علي رسوله الله.:

للإسلام حكم معروف في (إقامة التماثيل) أو صنع (الصور المجسمة) وهو التحريم، الذي صحت به أحاديث نبوية نشرت واستفاضت واتفق عليها علماء الأمة السابقون، وإن اختلفوا في الصور غير المجسمة ( أو التي لا ظل لها حسب تعبيرهم).:

وهذا كله في (التماثيل) التي يصنعها المسلمون بعد أن أنعم الله عليهم بالإسلام، وعرفوا منه الحلال من الحرام.

أما التماثيل التي صنعها الأقدمون قبل الإسلام، فهي تمثل تراثا تاريخيا، ومادة حية من مواد التاريخ لكل أمة، فلا يجب تدميرها وتحطيمها، باعتبار انها محرمات أو منكرات يجب تغييرها باليد، بل هي دلالة علي نعمة الله تعالي علي الأمة التي هداها للإسلام، وحررها من عبادة الأصنام.



وقد فتح المسلمون أفغانستان منذ القرن الأول الهجري، وكانت فيها هذه الأصنام، ولم يفكروا في إزالتها وتدميرها، وهم خير القرون من الناحية الدينية، كما كانوا أعظم قوة عسكرية في العالم يومئذ، ومع ذلك وسعهم السكوت علي هذه المخلفات الاثرية القديمة، فإن المهم عندهم تحرير العقول والانفس من عبادة غير الله تعالي.

وكذلك فتح المسلمون مصر في عهد عمر بن الخطاب وفيها معابد وآثار وصور شتي، فلم يشغل عمرو بن العاص، ومن معه من الصحابة أنفسهم بإزالة آثار الوثنية المصرية في المعابد، بل اتجهوا الي تحرير البشر أولا، وإخراجهم من عبادة العباد إلي عبادة رب العباد.

ولا يكاد يخلو بلد فتحه المسلمون من بلاد الحضارات القديمة من - وجود آثار - جاهلية في معابده وقصوره التاريخية، ومع هذا لم يهتم المسلمون الفاتحون - وهم خير منا اليوم - بمحوها وإزالتها، كما يفكر بعض المسلمين اليوم.

دائما يطلب هدم هذه التماثيل وأشباها إذا كان من ورائها فتنة تخاف علي أبناء الأمة، فالواجب حماية الأمة من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

فلو كانت هذه التماثيل في افغانستان او غيرها من بلاد المسلمين تشكل خطرا عليهم في عقيدتهم، ويخشي ان تردّ الناس عن عقيدة التوحيد، وتعيدهم الي الوثنية القديمة التي حررهم الاسلام منها، لقلنا: يجب هدم هذه التماثيل وازالتها، حفاظا علي عقيدة الأمة وتوحيدها.

ولهذا انصح اخواننا في حركة طالبان ان يراجعوا انفسهم في هذا القرار الذي اتخذوه، لعظم خطره، وبعد اثره من عدة نواح:

الأولي: انه يتضمن الانكار علي من سبقهم من المسلمين في افغانستان -من عصر الفتح الاسلامي الي اليوم، وقد كان فيهم العلماء الربانيون، والرجال الصالحون، ولم يزيلوا هذه الاشياء التي يريدون ازالتها اليوم، وقد كانت موجودة من غير شك.

الثانية: انه يحرج كثيرا من اخوانهم المسلمين في اقطار شتي، عندهم اثار مثل التي عندهم، ولم يفكروا مثل تفكيرهم، ولهذا احدث قرارهم هذا ضجة في العالم الاسلامي كله، وقوبل بدهشة واستنكار.

ولهذا يثير هذا القرار الخطير العالم الانساني كله ضد طالبان ويعتبر حركتهم خارج اطار العصر، ويقود حملة تشنيع عليهم، بالاضافة الي الحملات القائمة بالفعل، والعاقل لا يفتح علي نفسه باب شر يمكنه اغلاقه بشيء من الحكمة. ومن هنا شرع الاسلام قاعدة سن الذرائع وقال تعالي في كتابه ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم . نهي المسلمين عن سب الاصنام، حتي لا يرد عليهم المشركون بسب الله تبارك وتعالي.

ومن المعروف لدي اهل العلم: ان النبي صلي الله عليه وسلم ترك بناء الكعبة علي قواعد ابراهيم، حفاظا علي مشاعر القرشيين، الذين سينكرون ذلك، وهم حديثو عهد بالاسلام، فترك ذلك رعاية لخواطرهم.

وقرر العلماء لهذا وغيره من الأدلة: ان المنكر لا يُزال اذا خشي من جراء ازالته منكر اكبر منه.

فلا ينبغي لحكومة طالبان ان تتحدي العالم، وتنفذ ما نشرته وكالات الانباء من تدمير هذه الآثار الثمينة في نظر البشرية.

ولدي حكومة طالبان من القضايا الخطيرة والمشكلات الكبيرة، التي تتطلب الحل والعلاج الناجز: الكثير الكثير، فأولي بها: ان تجعل اكبر همها في علاج هذه المشاكل، وتوفير الطعام لكل جائع، والكساء لكل عار، والايواء لكل مشرد، والدواء لكل مريض والعمل لك عاطل، والتعليم لكل جاهل، والأمن لكل خائف، وان تعمل علي دفن نزيف الدماء التي ما تزال تسيل الي اليوم بين ابناء افغانستان الحبيبة.

هذا ما انصح به اخواننا المشايخ في حركة طالبان ان يهتموا به اليوم ويجعلونه شغلهم الشاغل، ويوقفوا هذا الذي فكروا فيه أو طرحوه او علي الأقل يؤجلونه الي وقت لاحق، يدعون فيه الي مؤتمر علمي اسلامي عالمي يمثل علماء الأمة وهو الذي يقرر هذا الامر الخطير بدلا ان يتحملوا المسؤولية وحدهم، اسأل الله ان ينير بصائرهم.. ويهديهم وإيانا الي التي هي اقوم.

ولا أنسي هنا ان اناشد الأمم المتحدة وهيئاتها المختلفة كما عنيت بحماية التاريخ والتماثيل القديمة وغضبت لها ان تبدي مثل هذه العناية للبشر الاحياء، من اطفال فلسطين، واهلها جميعا، الذين يعانون من قسوة الحصار، وطغيان اسرائيل، وعتاة الصهيونية الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد. فلا يشك اي انسان ذي قلب ان العناية بالاحياء اولي من الاموات، وان الاهتمام بالبشر مقدم علي الاهتمام بالجماد.